Home / أخبار / القضاء العرفي يحكم سيناء

القضاء العرفي يحكم سيناء

———–.
تحقيق / سميحة درويش

————-.

تتميز سيناء بعادات و تقاليد و تراث يختلف عن محافظات مصر ، و ذلك للظروف الجغرافية و التاريخية ، حيث وفدت عليها بعضا من قبائل هاجرت من الجزيرة العربية و الشام و فلسطين إستقرت بها حاملة معها كثير من عاداتهم و تقاليدهم .

و كان للعزلة التي فُرضت علي سيناء فترة طويلة من الزمن أن تمسك أهلها بالعادات و التقاليد و علي رأسها ما يتعلق بالضبط الإحتماعي متمثلاً في القضاء العرفي ، بغية الحفاظ علي الأنفس و الأعراض و الممتلكات ، و ضبط كافة المعاملات التي تحكم مجتمع صحراوي عاش سنوات في ظل الإحتلال الإنجليزي الذي حاول طمس هويتهم بإقرار بعض القوانين التي من شأنها بث الفرقة و المناورة بين القبائل و بعضها الأخر ، إلي أن قام الإحتلال الإسرائيلي بتزييف الحقائق و قيامه بالسطوعلي بعض التراث السينائي و نسبته إليهم في المحافل الدولية .. خلاف محاولته التسلل لتغيير مبادئ و قواعد بنية أهل سيناء — مما دفع القبائل بكل مشاربها إلي التمسك بعرقيتهم و عاداتهم و اللحاق بالحفاظ علي تراثهم من السطو عليه بإقرار قوانين وضعية تقيم الحياه بينهم في صورة كاملة للحفاظ علي الحقوق و الفصل في القضايا و النزاعات في مدة زمنية قصيرة و محسومة ذلك لبعدهم الجغرافي عن دور القضاء بسبب العزلة.. و لطول مدة الفصل في القضايا مثال قضايا القتل و هتك العرض ، أو من وفاة أحد أطراف النزاع قبل إصدار الحكم في القضايا المدنية…

و يشتهر عن بعض قبائل سيناء عموما بعض القضاه العرفيين في إختصاصهم مثلهم مثل قضاة المحاكم في باقي المحافظات

فيقول القاضي ” حسان ابو عويد ” من قبيلة المزينة بجنوب سيناء ،، يقع الإختيار علي القاضي العرفي لعدة أسباب تؤهله للفصل في النزاعات
أهمها النزاهة و الكفاءة و الحيدة و رجاحة العقل و طهارة اليد ، غير أنه يكون من البارزين في قبيلته — كذلك هناك ثلاث درجات للتقاضي في كل نوع من أنواع القضايا، وبالتالي فهناك ثلاثة قضاة ، عدا “المبشع”

فإذا بدأت خصومة أو نزاع بين طرفين، اتفقا على تسمية ثلاثة قضاة، ثم يحذف كل طرف من طرفي الخصومة قاضياً ويبقى الثالث، الذي يصبح هو قاضي النزاع، فإذا رضى الطرفان بحكمه أصبح الحكم نهائياً وملزماً للطرفين…
أما إذا لم يرضي الطرفان بالحكم أو لم يقبل به أحدهما، ذهبا إلى أحد القاضيين المحذوفين ليحكم بينهما. فإذا جاء حكمه مطابقاً لحكم القاضي الأول، ورفضه الطرفان أو أحدهما، لجأ إلى القاضي الثالث والأخير الذي سبق تسميته، ويكون حكمه نهائياً وملزماً للطرفين إذ لابد أن يكون حكمه مؤيداً لحكم أحد القاضيين السابقين. وهذا التدرج في القضاء العرفي يشبه التدرج في القضاء المعمول به في المحاكم (ابتدائي، واستئناف، ونقض)

و يختلف القضاه بإختلاف النزاعات المنظورة أمامهم ، مثال قضايا الشرف و هتك العرض و هروب الفتيات مع شباب من قبيلة أخري ، و يطلق علي القاضي إسم المنشد أو ” المسعودي ” نسبة إلي قبيلة المساعيد في شمال سيناء و المشهورة بالفصل في تلك القضايا

أما ” العقبي ” و هو قاضي الأحوال الشخصية ، أو قاضي النساء ، و يفصل في قضايا الطلاق و المهور و هجر الزوج أو زواجه بأخري و هروب الزوجة مع أخر من قبيلتها أو من قبيلة أخري و يسمي ” الشرود ”

و ” القصاص ” و هو قاضي الجروح و يختص بالفصل في قضايا الدم كالقتل و الإصابات

أما ” المبُشّع ” وهو قاضي الجرائم المنكورة التي لا شهود لها وذلك بأختبار المتهم بالبشعة أوالماء أو بالرؤيا. أما أختباره بالبشعة فذلك أن المُبَشّع يحمي إناء نحاس كالطاسة (البشعة ) على النار ويمسحها بكفه ثلاث مرات ثم يأمر المتهم فيغسل لسانه بالماء ويريه لشاهدين. ثم يتناول الطاسة المحماة من المبشع فيلحسها ثلاث مرات بلسانه ثم يغسله بالماء ويريه للمبشع والشاهدين. فإذا رأوا آثر النار على لسانه حكم المبشع بالدعوى لخصمه. وقالوا في تعليل ذلك إن المتهم إن كان مذنباً جفَّ ريقه وأثَّرت النارفيه…
وأما أختبار الماء فإن المبشع يأخذ إبريقأ من نحاس ويجعل الحضور ومعهم المتهم في حَلَقة. ثم يَشّرُع في التعزيم على الإناء. قالوا فيتحرك الإناء من نفسه ! فإن كان المتهم مذنباً وقف الإناء عنده وإن كان بريئاً وقف عند المبشع..

وأما أختباره بالرؤيا فهو إن المبشع يفكر في المتهم ثم ينام فيظهر له الجاني في الحلم وعندما يصحو يحكم عليه.
و قاضي السرقات و الإعتداء علي البيوت و قضايا الإبل يسمي” الزيادي ”

و يضيف الشيخ ” عويد ” بأن ” الخبراء ” هم أعلي درجة في القضاء لما لهم من خبرة واسعة في شتي أنواع القضايا ، و يحتكم إليهم القضاه و تكون أحكامهم نافذة لا مراجعة فيها … مثال ” أهل القطاعات ” و هم خبراء في الأراضي و الزراعات و كل ما يتعلق بها ،، و ” المسوق ” و هو خبير الإبل و من يتسلم الغرامات عنها … و ” قصاص الأثر ” و هو الخبير بأثار أقدام البشر و الإبل و السيارات و أشهر القبائل بهم ” المزينة و القرارشة في الجنوب و بلي في الشمال ”

و ” الحُسباء ” و هم أهل الخبرة في المواثيق و العهود .. و ” أهل العرائش ” و هم خبراء بكل ما يتعلق بالنزاعات عن النخيل و أشهر قبيلة بهم قبيلة المساعيد .. و كذلك ” لحاسة الأختام ” و هم المشايخ المعينون من قبل الحكومة و يختصون بالقضايا المتعلقة بأجور الجمال و حقوق القبائل فيها

و يشير القاضي ” عويد ” بأن أهل البادية في سيناء أو مجتمع القبائل البدوية عموما يحتكم و يلتزم بأحكام القضاء العرفي كإنه سيف علي الرقاب
مما رسخ بيئة قبلية متوازنة تحكمها ضوابط و أعراف لا خروج عنها مهما كانت الأحكام و صعوبتها

أما الشيخ عطية سيد داوود القاضي العرفي بقبيلة ” الأخارسة ” في قرية رمانة بشمال سيناء ، يضيف بأن المجتمع البدوي إستقر من داخله طبقاً لعاداته و تقاليده علي نظام قانوني هو في مجمله من أعدل و أقوي القوانين المحافظة علي إستقراره منذ القدم ، و يحسم قضاياه المختلفة طبقاً لأسس وضعية إتفق عليها الجميع –
و يردف الشيخ ” عطية ” بأن حالات التقاضي كثيرة و متشعبة منها علي سبيل المثال قضايا ” التحرش أو هتك العرض ” و تعتبر خط أحمر فيما لو إعتدي شخص علي إمرأة من ” قبيلته ” بمعاكسة أو تربص ، هنا يُعرض علي ” المُبشّع ” الذي يقوم بالتعزيم علي ” البشعة ” بلحسها 3 مرات ، فإن إحترق لسانه تمت إدانته و الحكم عليه بغرامة تصل إلي 6 مليون جنيه يتم تخفيضها في إجراءات التقاضي و المداولة إلي المليون و النصف .

أما إذا كانت الشاكية من قبيلة أخري فهنا ربما تصل الأمور إلي حرب بين القبيلتين لا يفصل بينهما إلا الكبير أو أهل الخبرة حقناً للدماء بعد مداولات قد تمتد إلي فترات طويلة .

غير أن قضايا الإصابات و الجروح يختلف الحكم فيها عن باقي القضايا مثال الإشتباكات المؤدية لإصابات بغرز جراحية ، هنا يتم عد الغرز ، و كل غرزة بثمن يتراوح ما بين 2000 إلي 3000 ألاف جنية !!
و في حال إشتباك أدي إلي فقدان وعي و دخول مستشفي ، فغرامتها تبلغ 50 ألف جنية للمصاب ، بينما يتنازل أحيانا صاحب الحق عن الدية تحت ضغط من أهل الجاني في الصلح مع أهل المجني عليه برفقتهم أحد كبراء القبيلة محملين بذبيحة و طعام و شراب في تقليد يسمي ب ” جاهة ”
غير أن النزاعات علي الأراضي بالتعدي تأخذ شكلاً أخر من التقاضي و تعد من أكثر القضايا المنظورة في القضاء العرفي ، بينما في قضايا السرقات إذا بُرئ المتهم منها يتم الحكم علي الطرف الأخر بوضع 4 رايات علي بيت المشكو في حقه ، واحدة علي بيته و 3 أماكن عامة يراها الناس ، و في حال علق 3 فقط يتم الحكم عليه بدفع مبلغ 10 ألاف جنيه للطرف الاخر . و في قضايا الطلاق يكون الحكم فيها مشابه لقضايا المحاكم ، بينما في قضايا القتل تصل الدية إلي مليون جنيه أو 100 جمل ، غير أن حوادث القتل قليلة جداً لأنه غالبا يؤخذ بالثأر من عائلة القاتل

و في سياق أخر يؤرخ الشيخ صلاح سلامة من قرية بالوظة و معتمد قاضي حكومي منذ 2003 .. ذاكراً بداية العمل بقانون القضاء العرفي منذ عام 1806 ، بأن كل قبيلة يقضي فيها من 5 إلي 6 مشايخ ، و كل شيخ يحكم في 500 أسرة يتقاضي عن عملة 5000 جنيه ضعف راتب قاضي الشمال .
و أضاف بأن مصطلحات قانون القضاء العرفي لا يعرفها و معناها إلا أهل البادية و العرب مثال ” الجيرة ” و تعني مبلغا من المال يدفعه المذنب و إجباره علي الرحيل من بيته لمكان أخر حتي إنتهاء فترة التقاضي
و ” الكفيل” يعني شخص من الوجهاء قادر علي سداد الغرامة عن المتهم إذا ما تعثر في السداد .. و “الكبير” تعني أحد كبار طرفي النزاع للتنسيق في إختيار القاضي و الكفيل .. أما ” كبير الهرج ” فهو محامي المتهم ، و ” الرزقة ” تعني أتعاب القاضي بنسبة 1% من قيمة غرامة الحكم ……..

x

Check Also

أول مركز لعلاج السكتات الدماغية بمصر بتقنية الذكاء الإصطناعي

كتبت – اية ...